الثلاثاء، يناير 17، 2012

الحاكم والإعلام

الحاكم والإعلام

دومًا ترى الأنظمة القمعية، تُسخّر الإعلامَ لخدمة هوى الحاكم، والأصل في المؤسسة الإعلامية أ ملك للأمة، فلا يجوز أن تستخدم أموال الشعب في صناعة جهاز يكذب عليهم.
ولقد كان الإعلام المصري على مدار عهد مبارك إعلامًا يهدف إلى شخصنة مصر في مبارك،

وترسيخ ثقافة " مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلا سَبِيلَ الرَّشَادِ"، ثقافة " لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهاً غَيْرِي لأجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ "، ثقافة : رأي صواب ورأي غير يُعاقب عليه !
كان صفوت الشريف أيام كان وزيرًا للإعلام قد جعل من مؤسسة الإعلام وقرًا وبيئًا، يشتمل على صنوف الفساد ..
كانت تجارة المخدرات والدعارة وبيع الآثار كلها أنشطة تتم في ظلال أروقة مبنى مسبيروا، حتى أطلق البعض على مسبيرو " عش الدبابير " .
استثمر صفوت الشريف خبرته الاستخباراتية السابقة ، وقد كان قوادًا أيام حُكم عبد الناصر، يجلب بنات الليل والفنانات العاهرات إلى كبار القوم فيما يعرف بالقضية الخاصة بانحراف جهاز المخابرات العامة .
لقد باتت وزارة الإعلام معقلاً للفاسد، ونموذجًا صارخًا للفجور السياسي؛ في قصص ووقائع يندى لها الجبين..
كان بحق نموذجًا للإعلام الفرعوني ..
كنا نرى الإسلام يُسب ويشتم على شاشة التلفزيون المصري.
كان الإعلام الحكومي منبرًا لكل منحرف فكريًا وأخلاقيًا ..

وأسلوب محاربة الفضيلة باستخدام وسائل الإعلام؛ أسلوب قديم جدًا، أشار القرآن إلى نماذج منها؛ ولا سيما أنموذج فرعون في حربه الإعلامية ضد موسى ـ عليه السلام ـ وجماعته، ذلك أن فرعون كان يرسل المؤذنين في المدائن يحذرون الناسَ من اتباع موسى ـ عليه السلام ـ ، بل كان يستخدم أسلوب الكذب الإعلامي، بتدليس الحقائق واتهام موسى بما ليس فيه، ومن ذلك قول الله تعالى على لسان فرعون : "... إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الأرْضِ الْفَسَادَ " [غافر26]

كذلك كانوا يقولون على الشعب الثائر في ميادين التحرير، هؤلاء سيدمرون البلد ..

بل بث الفراعنةُ في نفوس الشعب المصري شعورَ التشائم من موسى ومن معه، كلما حلت بالبلاد مصيبةٌ، زعموا أن موسى والمؤمنين؛ هم سببُ الأزمات، " فَإِذَا جَاءتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُواْ لَنَا هَـذِهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَى وَمَن مَّعَهُ أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ اللّهُ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ " [الأعراف131]

وكذلك قال فراعنة العصر : الاحتجاجات تسببت في خسائر بالمليارات. وتلك كلمة حق يراد بها تضييع الحقوق.

وشرَع فرعونُ في بناء صرح إعلامي كبير؛ ليعلوه، وليثْبت للناس ـ بزعمه ـ كذب دعاوى موسى ـ عليه السلام ـ :
"وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلأ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِّي صَرْحاً لَّعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ" [القصص38]
صرحًا عاليًا يراه القاصي والداني؛ وليقول الجميع : إن الملك قد ارتقى هذا الصرح ولم ير الإله الذي يتحدث عنه موسى .
إنه دليلٌ أحمق، مثل ذلك الدليل الذي قال : شباب التحرير يأكلون دجاج " كنتاكي " .. إذن هم عملاء لأمريكا !

دومًا كان فرعون يجمع الناس في الميادين؛ يخطب فيهم، يدلس، يكذب، يزور، يتهكم، يَقلبُ الحقائق ... اقرأ هذه الآية بعناية :
" فَحَشَرَ فَنَادَى " [النازعات : 23]
إنها آيةٌ من لفظتين ، الحشر والنداء؛ أي أسلوب الحشر والحشد، وأسلوب النداء والترديد وكلتاهما من أهم الأساليب الإعلامية .

"وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ " [ الزخرف:51]
في كل خطاب له، كان متعجرفًا على شعبه، متكبرًا على الناس، وقد ظن الرجل أنه يملك مصر، ويملك أنهارها، كما لو كان ورثها عن أبيه يستطيع أن يورثها لبعض بنيه !

وتلك الآيةُ الكريمة تصف جو الصخب الإعلامي الذي يدور في فلك فرعون، جو الاستعلاء، والاستكبار، والعلو، والعتو، والشخصنة... حينما تكون الترسانة الإعلامية في يد الحاكم الباطل، بينما الحق لا حول له ولا قوة، ولا يملك وسيلةً قويةً تساعده في نشر رسالته، اللهم إلا الدعوة الفردية ـ سنةُ الأنبياء والدعاة في كل زمان .

ومارس أيضًا أسلوب المباريات، ولم ينس أيضًا أن يحشد الجماهير والغواغاء على موعد إعلامي ومكان إعلامي، وكانت المباريات دومًا وسيلة بريئة لشغل الناس عن قضاياهم الكبرى:
"قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَن يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى "[طه59]
وقبلُ قد أرسل الفرعونُ رجاله إلى المدن والقرى والنجوع في جميع أنحاء مصر، وذلك لجَمع "السحرة " على اختلاف تخصصاتهم ومستوياتهم، فجاءوا بالساحر العادي ، و " السَّحار " الماهر الخبير بالسحر، وكان موعد المبارة يومَ الزينة، وقد حُشر المصريون من كل حدب وصوب، وانشغل الإعلام الفرعوني بقضية الساعةِ، تلك المبارةُ المرتقبةُ بين موسى والسحرة، والجماهيرُ المتفرجةُ الساذجةُ ترى أنها مبارةٌ بين موسى الذي يمثل فريق المستضعفين من بني إسرائيل، وبين السحرةِ المصريين أصحابِ الأرض والملك، وكان لسان حال الإعلام الفرعوني كما وصف القرآن: "وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنتُم مُّجْتَمِعُونَ . لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِن كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ " [الشعراء، 39، 40]
فهو إذن إعلامٌ موجه، يحشد الناس لغاية محددة .. لعلنا نتبع السحرة، وقد كان أحرى بهذا الإعلام أن يكون نزيهًا .. أن يحشر الناس لعلهم يتبعون الحق أيًا كان..

وكذلك حشد النظام أربابَ اللسان ممن تابعه، وقيل لهم هل أنتم مُّجْتَمِعُون في ميدان التحرير، لَعَلَّنَا نصرف الجماهير الغفيرة عن المطالبة بحقوقهم !

وجاءوا ببعض مشايخ والكتاب والإعلاميين الموالين للنظام، بل أرسلوا المطرب تامر حسني إلى ميدان التحرير كي يصرف الناس عن ميدان التحرير..
وحرضوا سفهاء الفن على الثورة، فمنهم من خوّن، ومنهم من فسّق، ومنهم طالب النظام الحاكم بمنع الطعام والشراب عن المتظاهرين، بل منهم من طالب النظام بإطلاق النار عليهم كما صّرحت بذلك ممثلة عُرف عنها إدمان المخدرات..

ولما أفرط الفرعون في استخدام السلاح الإعلامي بهذه الصورة الخسيسة ضد موسى ـ عليه السلام ـ؛ كان العقاب من جنس العمل؛ إعلاميًا أيضًا، حيث أغرق اللهُ فرعونَ، وأخرج بدنه من البحر، ثم، جسدًا محنطًا، وآيةً خالدة في المتحف المصري بميدان التحرير بالقاهرة:
"فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ " [يونس92] .

ونفس المؤسسة الإعلامية التي كانت تعظم نظام مبارك، وتضفي عليه القداسة والحكمة، هي نفس المؤسسة التي فتحت ملف ثروة عائلة مبارك، وباتت تسب وتشتم في النظام البائد ..

العجيب أيضًا أن جثمان فرعون موجودٌ حاليًا في المتحف المصري في ميدان التحرير..
لكأنما كانت ثورة التحرير تهتف في مبارك ارحل .. واعتبر بمصير فرعون !
"فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلاً لِلآخِرِينَ " [ الزخرف : 56]
_________________
** كاتب وباحث


اقرأ المقال الأصلي علي بوابة الوفد الاليكترونية الوفد - الحاكم والإعلام

الجمعة، يناير 13، 2012

سالة إلى أمانة الشباب في الأحزاب .

سالة إلى أمانة الشباب في الأحزاب .

أيها الشباب ! " لا تزول قدما ابن آدم يوم القيامة من عند ربه حتى يسأل عن خمس : عن عمره فيم أفناه ؟ و عن شبابه فيم أبلاه ؟ و عن ماله من أين اكتسبه ؟ و فيم أنفقه ؟ و ماذا عمل فيما علم ؟ ". هذا حديث رسول الله إليكم، يذكركم بيوم يقف فيه المرء يسأل فيه عن مرحلة الشباب بأكملها. كيف استثمرها ؟ وفي أي جهد أهلك طاقته ؟ وماذا قدم بين يدي من مشاريع يُنقذه نفسه بها من هذا الموقف ؟ ماذا قدم لدينه ووطنه ؟ هل كان عنصر بناء في دولة العدل ؟ أم كان معول هدم لها ؟

تلك رسالة إلى الشباب عموما، وأخاطب شباب الأحزاب المصرية على وجه الأخص، ممن يبتغون نهضة هذه الأمة، من خلال بناء " أمانة قوية " للشباب، وأقول :
عموما تختص أمانة الشباب في أي حزب في الدنيا بدراسة القضايا التي تهم قطاع الشباب شرعيًا وسياسيًا واقتصاديًا وتعليميًا واجتماعيًا.
وينبغي على أمانة الشباب أن تدرك الحاضر، وتفهم الواقع، وأن تعبر عن أكبر عدد من شباب المجتمع المصري، من حيث التوجهات والاحتياجات والمشكلات التي يعاني منها أغلب الشباب وفي مقدمتها ( البطالة) و (غياب الوعي ) و ( الفساد الأخلاقي) .
ينبغي على أمانه الشباب أن تضع نصب عينها أهدافًا تعبر عن طبيعة المرحلة؛ لا سيما وأن الثورة المصرية الحديثة باتت قاب قوسين أو أدنى من الفشل والعودة مرة أخرى إلى حيث ابتدائها ..
ينبغي على أمانة الشباب أن تركز جهودها في المرحلة الحالية لرفع الوعي السياسي لدى الشباب المصري ، وأن تستهدف شباب الجامعات والمعاهد والمدارس على وجه الخصوص، وتغرس في نفوسهم حب العمل التطوعي السياسي والاجتماعي ، وأن تأخذ بأيدهم نحو المشاركة في مشروع حضاري لبناء الدولة بشكل متجرد ابتغاء وجهَ الله، وتطهير الجو السياسي العام من كل مخلفات ونفايات عهود الجور والفساد، وإلغاء فكرة أن " السياسة نجسة " وأنه لا يعمل بها إلا الأنجاس، وأنه لا ينبغي خلط الدين بالسياسة أو خلط الشريعة بالاقتصاد، وغيرها من تلك الأفكار المتخلفة التي أكل عليها الزمان وشرب، وخلّفت لنا أنظمة علمانية أفسدت البر والبحر والجو . .
وينبغي على هؤلاء الشباب حينما يتحدثون باسم أحزابهم ألا تأخذهم العزة بالإثم، فيتكبروا على الناس على إثر الموقع التنظيمي الذي قد يدفع النفس نحو الغرور والعُجب. عليهم أن يقولوا للناس حُسنا، وأن يتقبلوا النقد، وأن تتسع صدورهم لآراء الآخرين، وأن يفتحوا معهم قنوات حوارية ونقاشية مستمرة من ندوات ومحاضرات وصالونات سياسية .
أقترح على شباب الأحزاب أن يعقدوا في كل أسبوع مرةً أو مرتين ورشة عمل لمناقشة مشروع خدمي محدود يخدم المنطقة الجغرافية لأمانة الشباب . مثال :
_ مشاريع تتعلق بسبل القضاء على البطالة
_ مشاريع تتعلق برعاية الموهوبين والمبدعين
_ الدورات الرياضية والمسابقات الثقافية
_ مشاريع تتعلق بخدمة الطلاب والطالبات دراسيًا بتوفير مجموعات تقوية
_ مشاريع التجميل والنظافة .
_ مشاريع التثقيف السياسي .
وهذا وأقترح عليكم طائفة من هذه المشاريع على النحو التالي دون ترتيب :
1- صالون سياسي شبابي لكل حي من الأحياء ينعقد كل أسبوع، يستضيف رمزًا من رموز العمل السياسي ممن نثق في ضمائرهم.
2- دورة تدريبية تثقيفية كل شهر في باب من أبواب العمل السياسي، مثال ( دورة أخبار سياستك ايه – متوفرة على النت ) .
3- ندوة شهرية بنادي أو مركز شبابي، على غرار ندوات ساقية الصاوي.
4- حملة 30 يوم نظافة ، ينزل الشباب إلى الشارع ويُشركوا الناس في عمل تجميلي للحي أو القرية .
5- حملة تنظيم المرور ليوم واحد في أماكن الاختناقات المرورية.
6- مسابقة بحثية سنوية تعلن فيها موضوعات تخدم المشروع الحضاري للحزب، وتعلن فيها جوائز، وتشكل لجنة تحكيم. مثال عقد مسابقة للباحثين بالكتابة في موضوع " الدولة الإسلامية الحديثة " أو " النظم السياسية " أو دراسة الجدل حول مفهوم الدولة العلمانية أو الدولة المدنية " .
7- دعم القضية الفلسطينية والمسجد الأقصى في كل مناسبة، والمشاركة بالفعاليات الخادمة لها، مثال القوافل الطبية، وتقديم الأعمال الإغاثية اللازمة.
8- مشروع السينما النظيفة، وذلك بتشكيل لجنة فنية لإنتاج أفلام على اليوتيوب تقدم عمل درامي وسينمائي هادف .
9- مشروع نادي شباب رجال الأعمال ، وذلك بعقد اجتماع دوري لرجال أعمال الحي أو القرية، وسبل توظيف إمكاناتهم في خدمة الحي اجتماعيًا وخيريًا .
تواصلوا معي بأفكاركم عبر هذا البريد الإلكتروني أدناه، بشأن هذه الأفكار وغيرها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كاتب وباحث
yakoute@gmail.com


اقرأ المقال الأصلي علي بوابة الوفد الاليكترونية الوفد - رسالة إلى أمانة الشباب في الأحزاب .

الجمعة، ديسمبر 30، 2011

صناعة الثورة

صناعة الثورة

بدايةً، ينبغي ألا نخلط بين " الثورة الشعبية " و " الانقلاب العسكري" ، فالانقلابات العسكرية غالبًا ما تُسقط طاغيةً لتأتي بطاغية جديد . فهو انقلاب الطغيان على الطغيان، فهو ينقل الشعوب إلى من حُكم العسكر إلى حُكم العسكر رقم 2، وهؤلاء لا يعرفون الشورى ولا العدل الاجتماعي ولا حقوق الشعوب إلا قليلاً،

ولو تأملت تاريخ الانقلابات العسكرية في المنطقة العربية لتبين لك أنها لم تأت إلا بطواغيت، ولكي تكسب هذه الانقلاباتُ شرعيتها كانت دومًا تتجه إلى حث الناس على الخروج في الشوارع كما لو كانت ثورة، بحيث يتقمص الانقلاب قميص الثورة، رغم أن الجماهير خرجت في الشارع بعد حدوث الانقلاب، وصدور بيان الثورة من وزارة الإعلام، وخروج الحاكم السابق من سدة الحكم .. فخرج الناس بعد كل هذا في الشوراع والميادين وهم يظنون أنهم يقومون بثورة، وهم فقط وسيلة إعلامية يستخدمها الانقلابيون، وهذا ما حدث في انقلاب يوليو 1952 بمصر، وانقلاب الفاتح من سبتمبر 1969 بليبيا. وكلاهما أنتجا لنا نظامين سام الشعبين المصري والليبي سوء العذاب، يذبحون أبناءهم ويستحيون نساءهم، وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم .

فكانت صناعة الثورات الشعبية حلاً مهمًا للشعوب التي تَرْزَحُ تحت حكم الفاسدين.
والثورة قادمة لا محالة في كل مجتمع ظالم .
إن لم نصنعها، فسوف يأتي اللهُ بمن يصنعها، من رجال لا يخافون في الحق لومة لائم .
إنْ لم تصنعها الشعوب التي غلبها الطواغيت، فلا أقل من أن تمهّد لها، وتربي الأجيال على تحقيقها، وتغرس بذرة الإيجابية وإباء الضيم.
إن السبب في انتفاضة الشعوب إنما هو في الظلم، سواء كان هذا الظلم، ظلمًا عقائديًا أنْ تُجبر أمةً على اعتناق دين لا ترضاه، أو ظلمًا سياسيًا ؛ كأن تحكم شعبًا بمذهب سياسي لا يوافقه، أو ظلمًا اجتماعيًا كأن تعمل على تنعيم طبقة وإفقار أخرى، وغير ذلك من صور الظلم التي تدفع الشعوب دفعًا نحو بوابات القصور ثائرةً ثم المقصلة التي تقطع الرؤوس .

وأحيانًا ترى حاكمًا من حكام الجور، يعمل على بث الفتن بين طوائف شعبه، ونشر الشائعات بين الفرقاء، بحيث تنشغل الجماعات السياسية بعضها ببعض، بل قد يصل الأمر إلى أن يستعين الحاكم بإزكاء نار الفتنة الطائفية بين المسلمين والنصارى أو بين السنة والشيعة من أجل أن ينسى الشعبُ فساد الحاكم ..
والحاكم ههنا يستخدم مبدأً غاية في الفساد، هو " فرّق تسد"، وقد كانت هذه صنعة فرعون . قال الله تعالى : " إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً "، أي جعل من شعبه فرقًا وجماعات ومذاهب متناحرة، فالحاكم هو المستفيد الوحيد – بزعمه – في تفكيك شعبه، بحيث لا يتحدون على رؤية، ولا تجتمع لهم كلمة .. وفي ذلك تأجيلٌ لإسقاط حكمه ..

لذا كان على الجماعات السياسية أن تعلم خطورة تلك اللعبة ..وأن تعمل على توحيد رؤيتها الإصلاحية، واتحاد كلمتها في إسقاط الحاكم الفاسد .
***
ـ يجب على الأحزاب والقوى المعارضة أن تنكر ذاتها إذا ما أرادت إسقاط النظام الفاسد، فإذا ما تصدر حزبٌ ما الواجهة فسوف يفشل مشروع الثورة في أغلب الأحيان، فالناس لن تجتمع حول حزب واحد، ولن تعتنق مذهبًا سياسيًا واحدًا، ولا يزالون مختلفين، ولو شاء الله لجعلهم أمةً واحدة، ولو شاء الله لجمعهم على الهدى ، فلا تكونن من الجاهلين . فهذا الاختلاف سنةٌ كونية جعلها الله في كل شيء خلقه، فهو جعلهم مختلفين ليبلوهم بذلك، وجعل بعضهم لبعض فتنة، ليختبرهم؛ إذا فهل تصبر ؟
وفي مقابل تلك السنة الكونية - سنة الاختلاف – جعل اللهُ سنةً أخرى لإحداث التوازن، وهي سنة التعايش، ففرض التعايش على عباده رغم اختلافهم، وإلا لو تقاتل المختلفون لزالت البشرية، وانزوت الحياة، لذا كان الإقصاء لمجرد الاختلاف في الرأي أمرًا ينافي صبغة الله التي فطر الناس عليها .
ـ من الضروري الحذر من صناعة رموز ثورية، أو تلميع شخصية بعينها، فذلك يفضي إلى عدة مفاسد، فذلك الرمز سيكون مستهدفًا من قبل النظام، وإن أفلت ونجحت الثورة جعلتَ من هذا الرمز الثوري طاغيةً أكبر من حجمه، وأنت من شاركت في تلميعه، فحينما تقوم الثورات الشعبية تأتي بعض القوى السياسية لاحقًا لتصعد على أكتاف الثائرين البسطاء، دافعةً رموزها تحت الأضواء، بحيث لا يضيع نصيبهم في "الكعكة "، ورأينا بعضَ الفضائيات المشبوهة تلقي الضوء على شخص معين، وأطلقوا ليه لقب " مفجر شرارة الثورة "..
وهذا التلميع يُستخدم لما بعد الثورة .
هذه اللعبة ترمي إلى هدف بعيد .
فمثلاً إذا جاء بعد ذلك أحدٌ يطالب بحظ أوفر للمعارضة الإسلامية، ظهر هؤلاء ويقولون إنها لم تكن ثورة إسلامية، إن "مفجّرها "، وصاحب " الشرارة الأولى في الثورة" شاب علماني، أمريكي الهوى، أنتم تسرقون الثورة !!

ـ من أسرار نجاح ثورة 25 يناير أنها كانت في أغلب المدن والميادين المصرية . ورغم أن الأضواء كانت مسلطةً على ميدان التحرير؛ إلا أن التظاهرات التي كانت في كبرى المدن والميادين المصرية هي التي أنجحت الثورة فعليًا. والشرعية الثورية لا تكون إلا إذا كانت ثورةً بحق في جميع أصقاع البلاد، وقد كانت دعوات الخروج في يوم الخامس والعشرين، تنادي بخروج الناس في الشوارع والأزقة والحواري والميادين في كل مكان.

ـ الإعلام له أثر كبير في نجاح الثورات الشعبية، والترويج لها، والدفاع عنها، وحشد الجماهير نحوها، ونجاح التعتيم الإعلامي على الثورة معناه أن ينجح النظام في قمعها، فينبغي نشر نداءات الثورة وبياناتها التي لا تعبر عن شخص محدد أو حزب بعينه .. ينبغي نشرها ونشر أحداثها عبر كل وسيلة إعلامية، ولو كانت تلك الوسيلة ترسل الخبر لشخص أو شخصين، ولعلك ترى مجموعةً إلكترونية على موقع فيس بوك تحشد الناس لتأييد الثورة وهي مجموعة لا يتجاوز أعضاؤها الخمسين أو المائة، لكن في مجموعة هذه الوسائل تأتي القوة الإعلامية للثورة، بحيث يظهر الإعلام المضلل مزريًا ضعيفًا وأحيانًا مضحكًا .. كما رأينا إعلام مبارك أيام الثورة .
فلا تحقرّن من المعروف شيئًا، وإنما تشتعل النيران العظيمة بالعود الهين .
_____________
** كاتب وباحث مصري
yakoute@gmail.com


اقرأ المقال الأصلي علي بوابة الوفد الاليكترونية الوفد - صناعة الثورة

الأربعاء، ديسمبر 28، 2011

مسلمات الرؤى والأحلام

مسلمات الرؤى والأحلام

محمد مسعد ياقوت

لما كثر اللغط حول تعبير الأحلام ما بين مُكذّب لأهميتها، وجاحد لأثرها، ومحارب لأرباب التعبير، أحببت أن أسرد هذه المسلمات والحقائق الثابتة حول الرؤى والأحلام، على النحو التالي :

الرؤيا يراها الإنسان أو تُرى له : فمن رأى لك رؤيا صالحة؛ كانت كما لو كنت رأيتها أنت، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " رُؤْيَا الْمُسْلِمِ يَرَاهَا أَوْ تُرَى لَهُ " [ أخرجه مسلم (4203) ] ومثال ذلك كثير عند الأمهات؛ حينما يرين الرؤى لأولادهن، ولَكم قصّت الأمهات ما رأينه من الرؤى عن مستقبل الأولاد، ومثاله أيضًا، ما رآه النبي – صلى الله عليه وسلم – لعمر بن الخطاب .
الشيطان لا يتمثل في المنام بصور الأنبياء، فمن رأى نبيًا – بصفته – فقد رآه حقًا، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَقَدْ رَآنِي فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لا يَتَمَثَّلُ بِي " [ أخرجه مسلم (4206)]. فكما أن الله قد عصم الأنبياء من الشياطين في حياتهم، فقد عصمهم من أن يُؤذوهم بعد مماتهم فيتمثلوا بهم للناس في مناماتهم، وهذا أمر بديهي.
الرؤى التي يراها الأنبياء، إنما هي محضُ وحيٍ من الله، فالوحي يأتي للأنبياء من الله أيقاظاً ونياماً، فإن أمرهم الله بشيء في مناماتهم فهو أمر صريح يتعين إنفاذه، - بخلاف غيرهم من البشر -، ومثال ذلك رؤيا إبراهيم – عليه السلام – حينما رأى في المنام أنه يُؤمر بذبح ولده إسماعيل؛ قال تعالى: " قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (102) فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (105) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاء الْمُبِينُ (106) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (107)" [الصافات ]. وقوله تعالى : ( قد صدقت الرؤيا ) : أي حققت ما نبهناك عليه وفعلت ما أمكنك ثم امتنعت لما منعناك، قاله الإمام القرطبي[1] .
وقال الله تعالى لنبيه : " إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِى مَنَامِكَ قَلِيلاً وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيراً لَّفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِى الاٌّ مْرِ وَلَاكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ" [ الأنفال :43 ]، فدل أن رؤيا الأنبياء وحي.

وقال الله تعالى : " لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا" [ الفتح 27 ]. فدل أيضًا أن رؤيا الأنبياء وحي .

إذا توافق جماعة على رؤيا واحدة دل ذلك على صدقها وصحتها – كما قال ابن حجر[2] - ودليل ذلك أن الصحابة حينما تطابقت رؤاهم في ليلة القدر، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - :" أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأَتْ [3]فِي الْعَشْرِ الأوَاخِرِ فَمَنْ كَانَ مُتَحَرِّيهَا فَلْيَتَحَرَّهَا مِنْ الْعَشْرِ الأوَاخِرِ " [ أخرجه البخاري (1105 )]. كذا حينما تطابقت رؤيا عمر بن الخطاب مع عبد الله بن زيد في قضية الأذان، وذلك حينما تشاور النبي ُ ـ صلى الله عليه وسلم ـ مع أصحابه في إيجاد وسيلةٍ إعلامية لجمع الناس عند كل صلاة، وطفقوا يعرضون أفكارهم ومقترحاتهم، ثم انصرف الجميع ولم يصلوا لشيء، حتى نام عبد الله بن زيد مهمومًا بهذه القضية ، ورأى في منامه أن يؤذن الأذان، فغدا على رسول الله - صلى الله عليه و سلم – فأخبره فقال : يا رسول الله إني لبين نائم ويقظان إذ أتاني آت فأراني الأذان، فقال عمر بن الخطاب : والذي بعثك بالحق يا رسول الله لقد رأيتُ مثل ما رأى . فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم " فلله الحمد "، وقال :" إِنَّهَا لَرُؤْيَا حَقٌّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ " [4] .
الرؤيا الصالحة يراه المسلم وغير المسلم، وهي دون شك من رحمات الله تعالى، فقد تكون الرؤيا الصالحة سببًا في هداية الضال، وإصلاح الفاسد، وقد رأى ملك مصر الرؤيا التي فيها " سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف"، ورأى السجينان اللذان كانا مع يوسف في السجن رؤيتان عظيمتان: " قَالَ أَحَدُهُمَآ إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (36) " [ يوسف ]. وقد كانا غير مؤمنين، وإلا لم يدعُهما يوسف – عليه السلام – إلى التوحيد. قال ابن حجر : " إذا رأى الكافر أو الفاسق الرؤيا الصالحة فإنها تكون بشرى له بهدايته إلى الإيمان مثلا أو التوبة أو إنذار من بقائه على الكفر أو الفسق، وقد تكون لغيره ممن ينسب إليه من أهل الفضل ، وقد يرى ما يدل على الرضا بما هو فيه ويكون من جملة الابتلاء والغرور والمكر نعوذ بالله من ذلك" [5]
كان يوسف - عليه السلام – مُعبّرًا عظيمًا، وقد علّمه الله من تأويل الأحاديث، كذا كانت هذه المزيّة لرسول الله ، محمد،– صلى الله عليه وسلم -، وكان أفاضل الصحابة يعبرّون الرؤى كذلك، كأبي بكر – رضي الله عنه - . أما يوسف فمعلومٌ عنه هذا من قصته في السورة التي تحمل اسمه، وقد شكر اللهَ على هذه النعمة، فقال : " رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث"، وأما محمد – صلى الله عليه وسلم – فثبت عنه غير ما دليل في ذلك، وقد كان الصحابةُ – رضي الله عنهم – يقصّون رؤاهم على النبي – صلى الله عليه وسلم – فيفسرها لهم ، وفي حديث عبد الله بن عمر : "كَانَ الرَّجُلُ فِى حَيَاةِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - إِذَا رَأَى رُؤْيَا قَصَّهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَتَمَنَّيْتُ أَنْ أَرَى رُؤْيَا فَأَقُصَّهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - " [ أخرجه البخاري (1121) ]. بل كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إِذَا صَلَّى الصُّبْحَ أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ بِوَجْهِهِ – صلى الله عليه وسلم – فَقَالَ : « هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمُ الْبَارِحَةَ رُؤْيَا » [ أخرجه مسلم (6076)]. بل كان رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يرى الرؤيا في منامه، ثم يعمد إلى أصحابه فيفسّرها بين أيديهم، ففي حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ :قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : "رَأَيْتُ ذَاتَ لَيْلَةٍ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ كَأَنَّا فِي دَارِ عُقْبَةَ بْنِ رَافِعٍ فَأُتِينَا بِرُطَبٍ مِنْ رُطَبِ ابْنِ طَابٍ؛ فَأَوَّلْتُ الرِّفْعَةَ لَنَا فِي الدُّنْيَا، وَالْعَاقِبَةَ فِي الْآخِرَةِ ،وَأَنَّ دِينَنَا قَدْ طَابَ " [ أخرجه مسلم (4215)].
وأبو بكر الصديق– رضي الله عنه –كان معبرًا أيضًا إلى جانب معرفته بأنساب العرب، بل كان يُعبّر الرؤيا بين يدي الرسول – صلى الله عليه وسلم – فيوافقه النبي – صلى الله عليه وسلم – على تعبيره ، فعن ابْنَ عَبَّاسٍ - رضي الله عنه ـ أَنَّ رَجُلا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ : إِنِّي أَرَى اللَّيْلَةَ فِي الْمَنَامِ، ظُلَّةً تَنْطِفُ[6] السَّمْنَ وَالْعَسَلَ[7] ، فَأَرَى النَّاسَ يَتَكَفَّفُونَ[8] مِنْهَا بِأَيْدِيهِمْ فَالْمُسْتَكْثِرُ وَالْمُسْتَقِلُّ ، وَأَرَى سَبَبًا [9] وَاصِلا مِنْ السَّمَاءِ إِلَى الأرْضِ، فَأَرَاكَ أَخَذْتَ بِهِ فَعَلَوْتَ، ثُمَّ أَخَذَ بِهِ رَجُلٌ مِنْ بَعْدِكَ فَعَلا، ثُمَّ أَخَذَ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَعَلا ، ثُمَّ أَخَذَ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَانْقَطَعَ بِهِ ثُمَّ وُصِلَ لَهُ فَعَلا[10] . قَالَ أَبُو بَكْرٍ : يَا رَسُولَ اللَّهِ بِأَبِي أَنْتَ وَاللَّهِ لَتَدَعَنِّي فَلأعْبُرَنَّهَا، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " اعْبُرْهَا "، قَالَ أَبُو بَكْرٍ : أَمَّا الظُّلَّةُ فَظُلَّةُ الإسْلامِ وَأَمَّا الَّذِي يَنْطِفُ مِنْ السَّمْنِ وَالْعَسَلِ فَالْقُرْآنُ حَلاوَتُهُ وَلِينُهُ، وَأَمَّا مَا يَتَكَفَّفُ النَّاسُ مِنْ ذَلِكَ فَالْمُسْتَكْثِرُ مِنْ الْقُرْآنِ وَالْمُسْتَقِلُّ، وَأَمَّا السَّبَبُ الْوَاصِلُ مِنْ السَّمَاءِ إِلَى الأرْضِ فَالْحَقُّ الَّذِي أَنْتَ عَلَيْهِ تَأْخُذُ بِهِ فَيُعْلِيكَ اللَّهُ بِهِ ثُمَّ يَأْخُذُ بِهِ رَجُلٌ مِنْ بَعْدِكَ فَيَعْلُو بِهِ ثُمَّ يَأْخُذُ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَيَعْلُو بِهِ، ثُمَّ يَأْخُذُ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَيَنْقَطِعُ بِهِ ثُمَّ يُوصَلُ لَهُ فَيَعْلُو بِهِ ، فَأَخْبِرْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ بِأَبِي أَنْتَ أَصَبْتُ أَمْ أَخْطَأْتُ ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : "أَصَبْتَ بَعْضًا وَأَخْطَأْتَ بَعْضًا"، قَالَ : فَوَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَتُحَدِّثَنِّي مَا الَّذِي أَخْطَأْتُ ؟ قَالَ : "َلا تُقْسِم "ْ [ أخرجه مسلم ( 4214) ]. فهذا الحديث دليل على علم أبي بكر – رضي الله عنه – بتعبير الأحلام، فحينما أتى السائل يستفتي رسول الله – صلى الله عليه وسلم –فيما رآه، بادر أبو بكر – رضي الله عنه – يُقسم على رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أن يدعه يفسّرها، فأذن له، فأصاب في التعبير، ولم يصب حينما أقسم على رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في هكذا أمر، كما ذكر غير واحد من أهل العلم[11].
ليس بالضرورة أن تتحقق الرؤيا بعد رؤيتها مباشرة، فليس لأحد أن يقول رأيتُ رؤيا منذ أسبوع أو سنة ولم تتحقق، فقد تحققت رؤيا يوسف – عليه السلام – التي رأى فيها أحد عشر كوكبًا والشمس والقمر – تحققت بعد عمر طويل، وذلك بعدما أنقذه الله من الرق ثم السجن، ثم مكنه في الأرض، وآلات إليه مقاليد الوزارة، ثم جاء إخوته مرارًا حتى صارحهم، ثم جاء أبوه، واجتمع شملهم، وخروا له سجدًا، هنالك قال يوسف عليه السلام : " " يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا " " [ يوسف 100]. كذلك لم تحققت رؤيا النبي – صلى الله عليه وسلم – حينما رأى أنه يدخل المسجد الحرام مع أصحابه محلقين رؤسهم ومقصرين – لم تتحقق في موسم الحج الذي كان بعد هذه الرؤيا، بل رجعوا في عام الحديبية - في العام السادس - وقد اشترطت عليهم قريش أن يعودوا هذا العام من غير حج ولا عمرة، ثم تحققت هذه الرؤيا في عام عمرة القضاء الذي هو العام السابع من الهجرة. وقد ناقش عمرُ – رضي الله عنه – النبي – صلى الله عليه وسلم - عام الحديبية، حينما صُدوا عن البيت الحرام، فقال : أوليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به ؟ فقال – صلى الله عليه وسلم - :" بلى، فأخبرتك أنا نأتيه العام ؟ " . قال : لا ، قال : " فإنك آتيه ومطوف به "، وقد كان، والقصة بتمامها في حديث صلح الحديبية الطويل [ انظر : البخاري (2581 )] .
رؤيا النهار كرؤيا الليل، فكل سواء ، وفي كل خير[12]، وقد رأى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – رؤى في الليل وأخرى في النهار، فمثال التي رآها في الليل؛ الرؤيا التي رآى فيها المسيح عيسى ابن مريم يطوف بالكعبة وقد أوردها البخاري[13] بعنوان " باب رؤيا الليل " في كتاب التعبير "، ومثال الرؤيا التي رآها النبي – صلى الله عليه وسلم – في النهار؛ الرؤيا التي رأى فيها ناسًا من أمته يغزون البحر كأنهم الملوك على الأسرة، وقد أوردها الإمام البخاري[14] بعنوان " باب الرؤيا بالنهار" في كتاب التعبير.
وصلى الله وسلم على محمد وعلى صحبه وسلم

_________

** عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، والمشرف العام على موقع نبي الرحمة


[1] تفسير القرطبي (15 / 102)

[2] فتح الباري (12 / 380)

[3] أي توافقت

[4] إسناده حسن أخرجه أبو داود (499) وغيره

[5] فتح الباري (12 / 381)

[6] يقطر

[7] أي رأى سحابة في السماء ينزل منها السمن والعسل

[8] أي :يتلقونه بأكفهم ويأخذونه ، يقال : تكفف الرجل الشيء ، واستكفه :إذا مد كفه فتناول بها [ شرح السنة للإمام البغوى (12 / 218)]

[9] أي حبلاً

[10] ملخص ما رآه الرجل، أنه رأى في منامه سحابة تقطر سمنًأ وعسلاً، بينما الناس يقبلون عليها يمدون أيديهم نحوها لينالوا من سمنها وعسلها، فمنهم كثير الأخذ، ومنهم مُقلّ، ثم رأى حبلاً واصلا بين السماء والأرض، ورسول الله – صلى الله عليه وسلم – ممسكٌ بطرفه، ويرتفع ويرتقي بهذا الحبل، ثم يأتي رجل ( هو أبو بكر) يأخذ الحبل، يقوم بالحق بعد النبي ، ثم يقوم بالحق من بعده رجل آخر ( هو عمر) ، ثم يقوم بالحق بعده رجل ثالث ( هو عثمان )، وهو الذى انقطع به .

[11] انظر : شرح النووي على مسلم (15 / 29)

[12] غير أن بعض أهل العلم يستحبون رؤى الثلث الأخير من الليل لبركة تنزل الرب إلى السماء الدنيا وقت السحر.

[13] برقم (6999 )

[14] برقم (7002 )

لماذا لم تُحاسب شركات المحمول والإنترنت ؟

لماذا لم تُحاسب شركات المحمول والإنترنت ؟

لماذا لم تُحاسب شركات المحمول والإنترنت ؟
محمد مسعد ياقوت
27 ديسمبر 2011

من مقالاته:

أف ! حتى الساعة لم تُحاسب شركات الهاتف المحمول والإنترنت التي قطعت الاتصالات عن الشعب المصري أيام الثورة، ومن المعلوم أن أيام انقطاع الاتصالات كانت هي نفسها أيام ذروة الانفلات الأمني، فكانت المرأة تُخطف وينتهك عرضها على الطرق، وهي لا تستطيع أن تستغيث بأهلها بينما الذئاب يطاردونها، وقد أنزلوا زوجها من السيارة فسلبوه كل ما يملك، بعدما سلبوا شرفه .

مشهد تكرر كثيرا أيام حالة الانفلات الأمني، تكرر في كفر الشيخ والبحيرة والقاهرة الجديدة وغيرها من الأماكن، وكانت هذه الشركات شريكًا في تدهور الوضع الأمني لا امتراء في ذلك ...
كان الواحد في ميدان التحرير لا يدري ما يُفعل بأهله، حيث لا اتصال ولا شابكة. ولا يدري ما يحصل للثورة في عواصم المحافظات، فقد انقطع البث الفضائي. بل كان المرء لا يدري ما حصل لأصدقائه في نفس الميدان، أهم أحياء أم أموت . . ومن ورائهم أناسٌ قُتلوا ولم يُسعفوا إذا لا ثمة وسيلة للتواصل مع الإسعافات.
وشاركتْ بعضُ هذه الشركات من قبل ومن بعد في امتصاص دم الشعب المصري، فبعدما احتكرت الشعب تجاريًا فلم يك يجرؤ أحدٌ أن يأتي يزاحمهم؛ كما لو كانوا ورثوا الشعب المصري كابرًا عن كابر....
أرجوك، لا تقل لي ( المسامح كريم )، و (نحن في عهد جديد )، فإن دم الإنسان لا يجوز هدرها، ولو بعد مليون سنة، ومثل هذه الجرائم التي تعلق بالإنسانية لا تسقط بالتقادم، ولعن الله قومًا ضاع الحق بينهم ، ودماءكم وأموالكم حرام عليكم الى ان تلقوا ربكم !
وقد أُقيمت عدة دعاوى قضائية ضد شركات المحمول، منها دعاوى كانت أمام مجلس الدولة، وطالبت تلك الدعاوى إصدار حكم قضائي بإلغاء تراخيص الشركات الثلاثة للمحمول، بسبب الخسائر التي تكبدها الشعب المصري على إثر قيام هذه الشركات بقطع الاتصالات .
فلماذا لم يفعل الوزير شيئًا ، وقد ثبت أن هذه الشركات شاركت فى التجسس على المواطنين ومراقبة هواتفهم بالمخالفة لأحكام الدستور ولكل الأعراف والشرائع السماوية ودون استئذان الجهات القضائية المختصة ..
لا بد من سحب هذه التراخيص ... لا بد من محاسبة كل شخص تسبب في إراقة دماء الشعب .
وإنني لأتساءل :
1ـ لماذا لم تحاسب شركات المحمول على ما تسببت فيه من خسائر، ولماذا لم يتم التحقيق مع نجيب ساويرس باعتباره والمالك والمسيطر على 40 % من الإعلام والاتصال في مصر ؟
2ـ لماذا لم تتقدم هذه الشركات باعتذار صريح للشعب المصري، وإذا كانت هذه الشركات تقول إنها ليست مسئولة عن قطع الاتصالات عن الشعب أيام الثورة، فمن المسئول إذن سوى وزير الاتصالات، سواء السيد الدكتور طارق كامل أحد رموز الحزب الوطني المنحل، أو الدكتور محمد عبد القادر محمد سالم الذي كُلف في وزارة عصام شرف المُقالة، وُجدد له في حكومة الجنزوري...
3ـ لماذا تحتكر هذه الشركات خطوط التليفون الأرضي، حينما يشترك المواطن عبر خدمة الإنترنت، فإذا ما ألغى المواطنُ تعاقده مع هذه الشركة للتعاقد مع شركة أخرى يرى الأمرين والأقورين. وأنا شخصيًا حينما اشتركت في خدمة الإنترنت مع شركة ساويرس ( لينك)، ثم أردت الاستغناء عن هذه الخدمة على إثر رسم مسيء للدين الإسلامي نشره السيد ساويرس، لم أستطع حتى الآن أن أنتقل إلى خدمة أخرى. اتصلتُ بخدمة الدعم الفني ولكن دون جدوى . أحاول أن أقدم شكوى عبر رقم 155 إلى الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات ؛ الخط مشغول أو غير متاح على مدار الساعة .
4- ولماذا تحتكر هذه الشركات خدمة الإنترنت، ومعروف أنها خدمة مجانية، وقد لاحظنا هذا في أكثر من دولة . وهل يجوز من الناحية القانونية احتكار الإنترنت بهذه الصورة ؟
5 - ولماذا نرى مثلا رخص سعر دقيقة المحمول في الخليج، بينما نراها باهظة في مصر، على الرغم من ارتفاع متوسط دخل الفرد في الخليج . وحتى متى يتم امتصاص دم الشعب المصري، ولك أن تتخيل كم جنت هذه الشركات حينما كانت تأخذ من المواطن أكثر من جنيهين على الدقيقة الواحدة في المكالمة المحلية ......
6- الشبكة العنكبوتية ( الإنترنت) تزداد قوةً يومًا بعد يوم؛ فهل نحن على الأقل نُسايرها ونجاريها ؟ واللغةُ العربية على الإنترنت كالقرحة في إهاب الأدهم . والإسلامُ؛ كصفحةٍ من كتابٍ في مكتبة على هذه الشابكة، وقد دارت معارك ضارية وحملات شعواء عبر الإنترنت تسهدف تشويه الإسلام في أوربا .. فلماذا لا تقدم هذه الشركات الإنترنت مدعوما للمؤسسات والجمعيات والشخصيات الدينية والتعليمية والخيرية، بحيث تساهم في نشر الفضيلة ؟
أسئلة مهمة أطرحها على مكتب وزير الاتصالات، وأرسل نسخة منها إلى رؤساء مجالس إدارة شركات المحمول والإنترنت . وفي انتظار ردهم . ولنا مقالة أخرى معهم بعون الله .

_________
كاتب وداعية مصري
yakoute@gmail.com


اقرأ المقال الأصلي علي بوابة الوفد الاليكترونية الوفد - لماذا لم تُحاسب شركات المحمول والإنترنت ؟

الاثنين، ديسمبر 19، 2011

أولئك لهم الأمن!

بقلم: محمد مسعد ياقوت*

يا قارئي، ألست معي، حتى الساعة، ورغم ما حدث في جمعة 18 نوفمبر وما بعدها، لم أتعاطف مع الشرطة.. فأنا واحد من ملايين المصريين الذين تعرضوا للإهانة في مراكز الشرطة ومكاتب مباحث أمن الدولة، لم أكن في هذه الأماكن على إثر تهمة تتعلق بالمخدرات أو السرقة أو الفساد؛ إنما كنت فيها- في كل مرة- على إثر عمل خيري أو مؤتمر دعوي أو نشاط سياسي.

أنا أيضًا افترشت زنزانة مباحث أمن الدولة، التي تستهدف المساجد أكثر من استهدافها المواخر على حد علمي.

ذات مرة بتُّ لساعات طويلة في شدة البرد، في زنزانة شبيهة بالثلاجة، وشعرتُ- وأشعروني- أن الدنيا كلها تخلت عني، وحينما خرجت من مكتب "أمن الدولة" إلى سجن آخر، وحينما هممت أن أركب سيارة الأمن المركزي البغيضة، وجدت والدي من بعيد، وقد مُنع الوصول إليَّ، ومنعوني حتى أن أكلمه كلمةً واحدة.

كان والدي يقف من بعيد ينتظر لحظة خروجي إلى سيارة الترحيلات، لا أنسى أبدًا نظرته إليَّ وقتئذ.. نظرة بعينين حازمتين؛ ملؤهما الغيظُ الحنق، وملؤهما الحب والحنان أيضًا، وفي يده لفافة من طعام أعدته الوالدة الكريمة.

كان رجال الأمن يعاملونني كما لو كنتُ مجرم حرب أو زعيمًا من زعماء المافيا، غير أن رجال الأعمال منهم يُعاملون معاملةً كريمة.

إن الشعوب لا تدفع المال من كدِّ عرقها وكسب يمينها حتى تصنع جهازًا أمنيًّا يحفظ شخص الحاكم، فتنفق الأموال الطائلة، وتنشر الجواسيس بين الشعب، وتجمع المعلومات من أقاصي الأرض وأدانيها، ويُشوّشُ على وسائل الاتصال، وتقف حركة المرور، كل هذا كله من أجل سلامة الحاكم، ومن أجل أمن حفنة منتفعة بالحكم.

ولم يكن معشار هذا الجهد يذهب في إطعام البطون الجائعة أو تسليح الجيش الوطني، أو نشر الوعي، أو تثقيف العقول.

من هنا يتحول مفهوم الأمن من كونه أمن الأمة إلى أمن الشخص المترف القابع في قصر الحكم؛ فالحفاظ على أمنه هو أمن الدولة كلها، ومزاجه الخاص هو المزاج العام للدولة عن بكرة أبيها.. إن فرح فرحت الأمة، وإن غضب بكت الأمة.. وهكذا تكون صناعة الفراعنة.

وماذا عليه لو حكم فعدل، فنام وأمن، وأراح واستراح، ويتخفف من تلك الحراسات، فإنما هو بشخصه حارسٌ للأمة، ولم يكن الراعي يومًا يجعل من شعبه حرَّاسًا له ما بين خادمٍ، أو جاسوس أو شرطي، حتى وصل الحال بنا إلى أنْ كان المصريون يتفكَّهون على مثالب نظام مبارك، فيقولون: لقد جعل من الشعب المصري شعبين؛ الشعب الأول يتجسَّس على الشعب الثاني، أما الشعب الثاني فهو يتجسس على الشعب الأول!.

لو أن الحاكم قدم أمَّن شعبه على أمنه الشخصي، كما ينبغي أن يقدم مصلحة الأمة على مصلحته الخاصة، فإن الحاكم في هذه الحالة يتمترس بشعبه، ويجعل من الجماهير حراسًا له من دون تكلّف، كما ترى الزعماء الشعبيين يمشون بين الحشود من دون حراسة ، فتلك الحشود على استعداد أن تموت دون أن يُخلصَ إليه، بيد أن الزعماء الذين اغتالتهم شعوبهم قد اغتالوهم، وقد كان هؤلاء الزعماء في حصون من ورائها حصون، ذلك بأن الشعب لن يعجز أن يخلص إلى جلاده ولو تحصّن بمليون مدفع.

قد جعل مبارك من منتجعه الخاص بشرم الشيخ مكانًا هادئًا بعيدًا عن الشعب، بل شعبه في قارة إفريقيًا وهو في قارة آسيا إذا ما حسبنا سيناء ضمنها، ومع ذلك سقط حكم مبارك، كما سيسقط حكم العسكر والشرطي، ومن قبل سقط الملك فاروق، ومن قبلهم جميعًا ملوك وحكام، زواهم الزمن، وطواهم النسيان، واتُبعوا في هذه الدنيا لعناتٍ الناس، وتركوا من ورائهم سوء الذكر، وسيئ الألقاب.

آه.. آلان أدركتُ أن الحراسات المشددة، والقنابل المسيلة، لم تعصمهم ولم تحفظ أمنهم، إنما الأمن يتحقق في مجتمع العدل، ولا يناله إلا المقسطون.

وأخيرًا.. إذا أردنا وطنًا آمنًا؛ بحيث تكون مصر آمنًا لمن دخلها كما أراد الله، فينبغي إذن:

1- أن يكون وزير الداخلية وزيرًا مدنيًّا سياسيًّا، محبًّا للدين، فقيهًا بحقوق الإنسان دارسًا لعلم النفس.

2- تطهير الداخلية من الذين امتدت أيديهم فسفكت دماء الأبرياء، وعزلهم، وتقديمهم للمحاكمة.

3- إيقاف استيراد القنابل المسيلة للدموع والهراوات وغيرها من الوسائل التي استخدمت على مدار عقود في إهانة الشعب المصري، فإن قال قائل إن مثل هذه الوسائل موجودة في دولة متحضرة، قلت: إن هذه الوسائل تُستخدم بالفعل في دولة متحضرة لكن بأيد شرطة متحضرة.

4- إلقاء القبض على جميع البلطجية ومسجلي الخطر الذين تم إخراجهم أيام ثورة يناير أيام الفراغ الأمني، وذلك ألف باء أمن دولة، وليس من المعقول ألا يضع وزير الداخلية هذه الأولوية في جدول أعماله من أول يوم جاء فيه إلى الوزارة.

5- تثقيف العاملين بالشرطة تثقيفًا أخلاقيًّا وشرعيًّا؛ بحيث لا نرى الضابط الذي يسب الدين للشعب، وبحيث لا نرى الضابط الذي يضع العصا في أدبار الناس(!!)

إذًا ما تكاتف الشعب لتحقيق تلك التوصيات، فأحسب أن أولئك لهم الأمن وهم مهتدون.

--------
* عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، ومدير تحرير موقع "نبي الرحمة"-
yakoute@gmail.com

أيها المشير !!


محمد مسعد ياقوت **

بوابة الوفد

أيها السيد المشير، المحترم، في ظل هذه الأحداث الدامية عند مجلس الوزراء، وفي كل يوم يسقط فيه قتلى وجرحى، وأنتم ترون تونس قد تجاوزت عنق الزجاجة، واختارت رئيسها، وانتخبت نوابها، وهي الآن في اتجاه واضح نحو دولة المؤسسات. أقول هل أنتم صادقون مع أنفسكم، في تسليم السلطة إلى الشعب الذي يملككم أنتم؛ باعتبار أن الجيش ملك للشعب المصري وفق الدستور ؟

هل تظنون حقًا أنكم أوصياء على الشعب، وتزعمون أن الشعب لا يفك الخط، ويجهل مصلحته، وينتخب نوابه عن جهل وحمق ؟

هل تصريحات اللواء الملا بأن مجلس الشعب القادم لن يكون معبرا عن الشعب تعبيرا حقيقيًا؟ رغم خروج الملايين لعملية الاقتراع ؟

كنتُ أيام الثورة مفتونًا بكم . فلماذا تزداد الفجوة النفسية بيننا وبينكم ، وقد كنا نطعن الضمير بالخناجر من أجلكم، فكان الذي يهتف في ميدان التحرير أيام ثورة يناير كان يتهم بالتخوين والعمالة، حفاظًا على استقرار وأمن البلد، وعرفانا من المتظاهرين بأن أيدكم لم تمتد إلى صدورهم بالقتل ؟

قد خسر الذين كانوا يدافعون عن المجلس العسكري، وكنتُ أنا منهم، واستبان بُعد النظر لدى الذين كانوا يهتفون ضد مبارك والمجلس، فقد ثبت على مدار عام أن المجلس العسكري لا يتحرك إلا تحت ضغط الميدان.

وماذا رأى الشعب المصري من حكم العسكر على مدار ستين سنة ؟ فقد قتل في عصرهم آلاف العلماء والمفكرين بداية من الأديب سيد قطب ونهاية بالشيخ عماد عفت .

ولو كنتم تريدون استقرارا يعيشه الشعب المصري؛ فماذا فعلتم مع البلطجية الذين صاروا حكامًا لبعض المناطق الشعبية، لهم الكلمة العليا في بعض القرى، ينهبون ما يشاءون ويتركون ما يشاءون، يهتكون الأعراض، ينتهكون الحرمات، يعاقرون المحرمات، يطعنون ضمير الوطن في كل يوم مرة أو مرتين .

وفي الوقت الذي تركتم فيه آلالاف البلطجية يعيثون في الأرض فسادًا فلم تخرج رصاصة في صدر أحدهم، نرى الأفاضل يتساقطون قتلى وعلى رأسهم الشيخ عماد عفت – رحمه الله -

البلطجية ومسجلو الخطر، الذين يفسدون في الأرض ولايصلحون، ويهلكون الحرث والنسل، ويسعون في الأرض فسادًا، هم الذين أخرجهم " أمن الدولة " سيء السمعة؛ أيام الثورة، وقد أخرجوهم ليضعوا الشعب بين خيار مبارك الشهير ( أنا أو الفوضى )، فأخرجوهم ليسوموا الشعب سوء العذاب، يذبحون أبناءهم، ويستحيون نساءهم، وقد كان في ذلك بلاء من الله عظيم .

بينما أنتم في وادٍ آخر . فأنتم منشغلون ألا تناقش ميزانية الجيش في البرلمان . تتحدثون عن مجلس لا يعبر عن الشعب. وتدفعون بالدكتور السلمي ليصنع لكم وثيقة مفصّلة على المقاس. تصرون على الأتيان بوزارء فوق سن المعاش، وآخرين يعيشون خارج الزمن، ومنهم بينه وبين القبر يوم أو بعض يوم .

وأخيرًا، ما العلاج ؟

العلاج في نقاط :

أولاً : تحديد جدول زمني واضح ومعلن لتسليم السلطة .

ثانيًا : القبض على البلطجية الذين أخرجهم جهاز " أمن الدولة "، لتأديب الشعب المصري، أيام فترة الانفلات الأمني. فهؤلاء تم إخراجهم من أجل غاية غير شريفة، ولم يخرجوا بعفو صحي ولم يتموا مدد ما عليهم من عقوبات، وبعضهم محكوم عليه في قضايا خطيرة .

ثالثًا : تطهير مؤسسات الدولة ومصالحها تطهيرا كاملاً من قيادات الحزب الوطني و (الشخصيات الأمنية ) و (الشخصيات الطائفية ) والتي كانت تتخابر مع الموساد والمخابرات الأمريكية، ومنهم رجال أعمال معروفون يملكون 40 % من الاتصالات والإعلام الخاص.

رابعًا : احترام إرادة الأمة في اختيار من يمثلها، فالبرلمان القادم شرعي، ولا يشك في شرعيته إلا فاسد حاقد، وينبغي أن تكون الكلمة العليا في البلاد لنواب الشعب، ويشكلون حكومتهم المعبرة عن الأمة، ويكون رئيس الوزراء المنتخب من مجلس الشعب القادم في صلاحيات رئيس الدولة. بحيث تنتقل الأمة إلى النظام البرلماني سريعا، وإلا فسوف تستمر الفوضى وتنمو، وتنتشر، وانتظروا هنالك ثورة الجياع حيث المقصلةُ في ميدان التحرير .

______________

** عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين – المشرف العام على موقع نبي الرحمة

yakoute@gmail.com

Google
 
Web موقع ياقوت